البحث عن الديمقراطية الضائعة!

اذهب الى الأسفل

البحث عن الديمقراطية الضائعة!

مُساهمة  master في السبت يوليو 11, 2009 4:37 pm




السبت - 11 - يوليو - 2009 -
السيد ياسين

هل هناك أزمة في الممارسة الديمقراطية على مستوى العالم؟ يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال بنعم! ذلك أنه لو ألقينا نظرة مقارنة على الدول المتقدمة التي تتصدر المشهد الديمقراطي العالمي، وعلى الدول النامية المتخلفة في المقياس الديمقراطي، لوصلنا إلى هذه النتيجة التي تبدو غريبة لأول وهلة!
وقد تنتفي الغرابة لو انطلقنا من مبدأ منهجي مهم، هو أنه دائماً - في مجال الإيديولوجيات السياسية - ما تحدث فجوة بين النظرية والتطبيق، وذلك لأن النظرية - أيا كانت توجهاتها - عادة ما تنبع من الفكر الخالص الذي يحدد المقدمات النظرية ليصل إلى النتائج العملية، بدون أن يلقي بالا بالضرورة للسياق التاريخي، أو للبناء الاجتماعي، أو للظروف الثقافية السائدة.
وينطبق ذلك على نظرية الديمقراطية في المقام الأول، فهذه النظرية لها جذور تاريخية ترتد إلى الفكر اليوناني القديم، وإلى ديمقراطية أثينا التي كانت تجربة فذة في ممارسة الديمقراطية المباشرة. غير أنه عبر القرون تطورت نظرية الديمقراطية وتعددت أشكالها وتنوعت ممارساتها. بحكم اختلاف أنماط المجتمعات التي طبقت فيها من ناحية، وبسبب نوعية السياقات التاريخية. ولو رجعنا إلى تاريخ القرن العشرين لاكتشفنا في هذا المجال وقائع مهمة تثبت أن الفجوة بين النظرية والتطبيق قد تكون عميقة حقاً.
خذ على سبيل المثال الانتخابات الديمقراطية التي صعدت «بأدولف هتلر» إلى السلطة. وكيف أنه في فترة وجيزة قلب النظام الديمقراطي الألماني، ليصبح أسوأ نموذج للحكم الديكتاتوري، الذي يقوم على القمع السياسي والبطش بالناس.
وإذا تأملنا هذه الواقعة التاريخية. لوصلنا إلى فكرة أساسية مفادها أن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات تنحصر في تنظيم الانتخابات الدورية النزيهة، التي يترتب عليها عادة أن الحزب السياسي الذي يحصل على الأغلبية من حقه أن يشكل الحكومة. ولكن الديمقراطية أيضاً نسق من القيم. يقوم على أساس سيادة القانون، واحترام الشرعية، والاعتراف بالآخر.
وهكذا إذا كان هتلر قد نجح في ظل انتخابات ديمقراطية نزيهة إلا أن المشكلة - كما ظهرت في الممارسة - أنه لم يكن يؤمن بقيم الديمقراطية ولا بفضيلة تداول السلطة، ولذلك انقلب على النظام وحوله إلى ديكتاتورية بشعة.
وهناك مثل آخر بالغ الأهمية، ويتعلق بالنظام السياسي الفرنسي. وذلك لأن هذا النظام بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 اتسم بحكم حدة الصراع السياسي بين الأحزاب الفرنسية المتعددة، واحتدام شهوة الرغبة في الوصول إلى السلطة بأي ثمن، والتمتع بامتيازاتها الوفيرة، بتساقط الوزارات. بمعنى أنه تشكل وزارة ما وبعد شهرين أو ثلاثة تسقط، نتيجة الصراعات السياسية وتشكل وزارة جديدة، وتبقى فترة قصيرة ثم تسقط.
وأطلق علماء السياسة على هذه الظاهرة وأمثالها أمراض الديمقراطية!
ويبدو أن هذه الأمراض لم يشف منها النظام السياسي الفرنسي إلا بجراحة عميقة أجراها له الجنرال «ديجول» بطل تحرير فرنسا بكل ثقله التاريخي؛ لأنه حول النظام إلى نظام رئاسي، ويتضمن سلطات ضخمة لرئيس الجمهورية. مما أتاح للنظام السياسي الفرنسي الجديد استقراراً سياسياً نادراً في عالم اليوم، مما سمح لعملية تداول السلطة وفق نتائج الانتخابات الرئاسية تتم بصورة حضارية غير مسبوقة.
وقد يقول قائل: إن ما سقناه عن هتلر وديجول تمثل نماذج تاريخية فات أوانها. ويبقى السؤال ماذا عن المشهد الديمقراطي الراهن وخصوصاً في الدول المتقدمة في المقياس الديمقراطي؟ سنناقش مثلين: الأول من الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة «جورج بوش»، التي استمرت ثماني سنوات كاملة، والثاني من فرنسا بعد نجاح «ساركوزي» في الانتخابات لكي يصبح رئيساً للجمهورية الفرنسية.
إن تجربة «جورج بوش» كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية شابها الالتباس منذ بداياتها، وذلك لأنه حدثت ارتباكات لا حدود لها في عملية عد الأصوات، لدرجة تكاد تقترب من الحكم بأنها كانت انتخابات مزورة، تدخلت فيها عوامل شتى لتفقدها موضوعيتها.
فقد تناثرت الأحاديث أثناء فرز الأصوات عن فساد عملية العد الآلي، ولذلك تم في المراحل الأخيرة اللجوء إلى العد اليدوي، وذاعت أقاويل عن دور شقيق جورج بوش حاكم كاليفورنيا في إسقاط آلاف الأصوات، والتلاعب في العملية الانتخابية.
وثار الجدل بين أنصار بوش وأنصار منافسه «آل جور» والذي خسر السباق ببضع مئات فقط من الأصوات.
ومعنى ذلك أن الديمقراطية الأمريكية ظهر أن بها شوائب من عند المنبع، ونعني منذ مراحل الترشيح الأولى حتى مرحلة عد الأصوات. ولا شك أن عملية تمويل المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية، التي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، من شأنها في حد ذاتها أن تشكك في موضوع تكافؤ الفرص بين المرشحين من ناحية، والتساؤل من ناحية أخرى عن مصالح الممولين من كبار رجال الأعمال ومديري الشركات في هذا التمويل، والثمن الذي سيتقاضونه بعد نجاح المرشح الذي انحازوا إليه، مما يثير على الفور موضوع الفساد والنزاهة السياسية، وتأثير جماعات المصالح على عملية اتخاذ القرار.
غير أن المحافظين الجدد الذين كونوا إدارة جورج بوش الأولى والثانية، دفعوه دفعاً لكي يختطف النظام السياسي الأمريكي بكامله، ويعطي نفسه - على عكس الدستور - الحق في شن الحرب بعد عملية إخضاع منظمة لأعضاء الكونجرس وذلك بعد أحداث 11/9 .
استفاد «جورج بوش» بتشجيع من المحافظين الجدد من جو الرعب الذي ساد المجتمع الأمريكي بعد الأحداث الإرهابية الشهيرة، وأعلن حربه ضد الإرهاب وكان شعارها «من ليس معنا فهو ضدنا». وكانت أول خطوة خاطئة اتخذها هي شن الحرب على أفغانستان وغزوها عسكرياً، بتهمة أن نظام طالبان آوى ابن لادن. وهكذا أوقع «بوش» - بدون أن يدرس - الولايات المتحدة الأمريكية في المستنقع الأفغاني. ولم يأخذ لا هو ولا جنرالاته الدرس من الهزيمة العسكرية الأمريكية القاسية في حرب فيتنام.
وأورث «بوش» الرئيس «أوباما» كارثة أفغانستان، مما اضطره إلى أن يزيد عدد القوات العسكرية الأمريكية هناك، أملاً في نصر حاسم يسمح له بالانسحاب بدون أن يفقد ماء وجهه!
ولم يكتف «جورج» بوش بمغامرة غزو أفغانستان الفاشلة، ولكنه تمادى - تحت ضغوط المحافظين الجدد- فانطلق لغزو العراق عسكرياً ضد الشرعية الدولية، وضد اتجاهات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
وها هي الولايات المتحدة الأمريكية تنسحب قواتها بعد هزائم مذلة من المدن العراقية، تمهيداً في عام 2011م للانسحاب النهائي من العراق.
والسؤال الآن: كيف استطاع «جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية - بالرغم من الدستور الأمريكي والأعراف الدستورية المستقرة - اختطاف النظام السياسي وتوريط المجتمع الأمريكي بكل فئاته في حربين لم يخطط لهما تخطيطاً استراتيجياً صحيحاً، وبدون أي فكرة ماذا ستفعل القوات الأمريكية بعد الغزو؟ وأسوأ من هذا كله أن قرارات الغزو المتعجلة، تجاهلت أهمية معرفته التاريخ الاجتماعي الفريد لكل من أفغانستان والعراق!
أفغانستان بلد له تاريخ في مقاومة الغزاة، ولعب مقاتلوه الجبليون الأشداء دوراً مهماً في صد الغزو السوفييتي، والعراق مجتمع متعدد الأعراق، ويمتلك روحاً وطنية وثابة، جعلت مقاومة المحتل الأمريكي في مقدمة أولويات المواطنين العراقيين.
ولكن غرور القوة دفع بجورج بوش وأركان إدارته إلى أفغانستان والعراق، بغير خطة واضحة، وبغير فكرة عماذا سيفعلونه بعد الغزو؟
فأي نظام ديمقراطي ذلك الذي يسمح لرئيس الجمهورية، بدون استشارة كافية من المجالس النيابية، عن طريق عرض الحقائق كاملة بدلاً من البيانات المزورة يدفع البلد إلى حرب بطريقة عشوائية أدت إلى هزيمة كارثية؟
ومعنى ذلك أن هناك عيوباً جسيمة اعترت المعمار الديمقراطي الأمريكي، مما يدعو إلى التفكير في حلول لعلاجه. والنموذج الثاني هو النظام السياسي الفرنسي. نجح «ساركوزي» بعد معركة انتخابية مظفرة، وأصبح رئيساً للجمهورية خلفاً «لجاك شيراك» الذي هو آخر الرؤساء الفرنسيين المحترمين من زاوية احترام التقاليد الدستورية والأعراف الاجتماعية.
جاء «ساركوزي» بشخصيته الفريدة التي تريد أن تهيمن على مجمل الفضاء السياسي الفرنسي. قام بتهميش رئيس الوزراء والوزراء وأخذ يصدر خطاباته في كل شيء من السياسة إلى الاقتصاد إلى التعليم والبحث العلمي. وأراد أن يعيد صياغة المجتمع الفرنسي تحت شعارات الليبرالية الجديدة التي لا تتحدث إلا عن الاستثمار والجودة والتنافسية، حتى لو أدى ذلك إلى إقصاء طبقات اجتماعية كاملة، أو إلغاء الضمانات الاجتماعية لطبقات الفقراء.
أراد أن يدخل تعديلات جوهرية على نظام البحث العلمي، ونزع إلى إلغاء مراكز الأبحاث الفرنسية ذات الشهرة العالمية وضمها بغير خطة واضحة إلى الجامعات. فقام الأساتذة والطلاب من بعد بإضراب مستمر لشهور احتجاجاً، غير أنه لم يأبه لهم، واضطروا أن يعودوا للعمل صاغرين!
وحاول المحاولة نفسه مع الأطباء غير أنهم أضربوا عن العمل، ونزلوا إلى الشارع في مظاهرات حاشدة، واضطر ساركوزي لأول مرة أن يخضع لمطالبهم وللإرادة الشعبية.
ومعنى ذلك أن ساركوزي الذي نجح في انتخابات ديمقراطية لا شك فيها، قد اختطف النظام الفرنسي تحت شعارات الديمقراطية.
هل يعنى ذلك أن النظرية الديمقراطية تحتاج إلى مراجعة عميقة على ضوء الممارسة حتى في الدول المتقدمة في المقياس الديمقراطي؟ يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال المحوري هي نعم!!

master
Admin
Admin

عدد المساهمات : 902
تاريخ التسجيل : 29/10/2008
العمر : 38

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkheel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى